محمد بن عبد المنعم الحميري
170
الروض المعطار في خبر الأقطار
لطمته ، قال : وتقيده مني وأنا ملك وهو سوقة ! قال : إما أن ترضيه وإلا أقدته منك ، فإنه قد جمعه وإياك الإسلام فما تفضله إلا بالعافية ، قال : والله لقد رجوت أن أكون في الإسلام أعز مني في الجاهلية ، قال عمر رضي الله عنه : لا بد من ذلك ، قال : إذاً أتنصر ، قال : إن تنصرت ضربت عنقك . قال : واجتمع قوم جبلة وبنو فزارة فكادت تكون فتنة ، فقال جبلة : أخرني إلى غد يا أمير المؤمنين ، قال : ذلك لك ، فلما كان جنح الليل خرج هو وأصحابه فلم ينثن حتى دخل القسطنطينية على هرقل فتنصر ، وأعظم هرقل قدوم جبلة وسر بذلك وأقطعه الأموال والأرضين والرباع . قال : ويحكى أنه لما بعث عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام ، فأجابه إلى المصالحة على غير الإسلام ، فلما أراد أن يكتب جواب عمر رضي الله عنه قال للرسول : ألقيت ابن عمك جبلة هذا الذي ببلدنا يعني جبلة بن الأيهم الذي جاء راغباً في ديننا ؟ قال : ما لقيته ، قال : القه ثم إيتني أعطك جواب كتابك ، قال الرسول : فذهبت إلى باب جبلة فإذا عليه من القهارمة والحجاب والبهجة وكثرة الجمع مثل ما على باب قيصر ، قال الرسول : فلم أزل ألطف في الأذن حتى أذن لي ، فدخلت فرأيت رجلاً أصهب اللحية ذا سبال وكان عهدي به أسمر أسود اللحية والرأس ؛ فنظرت إليه فأنكرته ، وإذا به قد دعا بسحالة الذهب فذرها في لحيته حتى عاد أصهب ، وهو قاعد على سرير من قوارير قوائمه سود من ذهب ، قال : فلما عرفني رفعني معه على السرير فجعل يسائلني عن المسلمين ، فذكرت خيراً وقلت : قد أضعفوا أضعافاً على ما تعرف ، قال : وكيف تركت عمر بن الخطاب رضي الله عنه قلت : بخير ، فرأيت الغم في وجهه ، قال : فانحدرت عن السرير ، قال : لم تأبى الكرامة التي أكرمناك ؟ قلت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن هذا ، قال : نعم صلى الله عليه وسلم ، ولكن نق قلبك من الدنس ولا تبال ما قعدت عليه ، فلما سمعته يقول صلى الله عليه وسلم طمعت فيه ، وقلت له : ويحك يا جبلة ألا تسلم وقد عرفت الإسلام وفضله ؟ قال : بعدما كان مني ؟ قلت : نعم ، قد فعل رجل من بني فزارة أكثر مما فعلت ، ارتد عن الإسلام وضرب وجوه المسلمين بالسيف ثم رجع إلى الإسلام ، فقبل منه ذلك وخلفته بالمدينة مسلماً ، قال : ذرني من هذا إن كنت تضمن لي أن يزوجني عمر ابنته ويوليني الأمر من بعده رجعت إلى الإسلام ، قال : فضمنت له التزويج ولم أضمن له الأمر ، قال : فأومأ إلى خادم بين يديه فذهب مسرعاً فإذا خدم قد جاءوا يحملون الصناديق فيها الطعام ، فوضعت صحاف الذهب وموائد الفضة ، فقال لي : كل ، فقبضت يدي وقلت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الأكل في آنية الذهب والفضة ، قال : نعم صلى الله عليه وسلم ، ولكن نق قلبك وكل فيما أحببت ، قال : فأكل في الذهب والفضة وأكلت في الخلنج ، قال : فلما رفع الطعام جيء بطساس الفضة وأباريق الذهب ، وقال : اغسل يدك فأبيت من ذلك ، فغسل في الذهب وغسلت في الصفر ، ثم أومأ إلى خادم بين يديه فمر مسرعاً فسمعت حساً فإذا خدم معهم كراسي مرصعة بالجوهر ، فوضعت عشرة عن يمينه وعشرة عن يساره ، فسمعت حساً فإذا عشر جوار قد أقبلن مضمومات الشعور متكسرات في الحلي عليهن ثياب الديباج ، فلم أر وجوهاً قط أحسن منهن فأقعدهن على الكراسي عن يمينه ، ثم خرج عشر من الجواري في الشعور عليهن ثياب الوشي متكسرات في الحلي فأقعدهن على الكراسي عن يساره ، ثم سمعت حساً فالتفت فإذا جارية كأنها الشمس ، على رأسها تاج ، على ذلك التاج طائر لم أر أحسن منه ، وفي يدها اليمنى جامة فيها مسك وعنبر فتيت ، وفي يدها اليسرى جامة فيها ماء ، فأومأت إلى الطائر أو قال : فصفرت بالطائر - فوقع في جامة ماء الورد فاضطرب فيها ثم أومأت إليه فوقع في جامة المسك والعنبر فتمرغ فيها ، ثم أومأت إليه فطار حتى نزل في صليب تاج جبلة فلم يزل يرفرف حتى نفض ما في ريشه عليه ، وضحك جبلة من شدة السرور حتى بدت أنيابه ، ثم التفت إلى الجواري التي عن يمينه فقال لهن : بالله أضحكننا فغنين بخفق عيدانهن وقلن : لله در عصابة نادمتها * يوماً بجلق في الزمان الأول يسقون من ورد البريص عليهم * بردى يصفق بالرحيق السلسل أولاد جفنة حول قبر أبيهم * قبر ابن مارية الكريم المفضل يغشون حتى ما تهر كلابهم * لا يسألون عن السواد المقبل